المقامة القاتية


المقامة القاتية
أقامها: مروان المريسي

من أحد أوسع الطرقات إلى أحد أضيق مجالس القات أخذني أحد الثقات ليحدثني أن اثنين من الشباب اليمنيين المعاصرين أحدهم من المدمنين الدائمين المدينين غير النادمين والآخر يعوذ بالله أن يكون من الجاهلين، كانا في هذا المجلس وكانا يهوجسان فيما أنا والثقة نهوجس، فكانا – كما كنا – يتجادلان في جدوى هذه النبتة، وبقيا – كما بقينا – لا يتفقان البتة.
 
قلت لـ(صاحبي) وقد أرغى وأزبد وصعق وأرعد وما أتى بحديث ولا جدّد بل كرر وردّد: أمَا وقد رأيتَ ما رأيتْ من بلاوي القات ووعيتْ ولا عدتَ إلى رشدك ولا ارعويتْ.. فما تظن أني فاعلٌ لعلي أقنعُك؟ أوَ بالقوة أمنعُك؟ فأضربك وأصفعُك؟ أم أقتلعُ النبتة وأزرعُك؟!
 
ضحك (صاحبي) ونرفزني، وظل بعود القات يوخزني، حتى إذا انتهى من القهقهة التي ما أبلهها وما أبلهه، عاد ليقول : شوف يا زول (صرت سوداني!)، والله إني أدري إنك مشغول، وإذا فتحنا المجال لهالموضوع فالحديث يطول ويطول، ولم ولما بعد ولن نستطيع تحديد من المسؤول!
 
قلت؛ وقد أصابني الذهول وفعل بي الفضول ما لا يفعله فاعل بمفعول: كيف تقول ما تقول؟! والله ما هذا بمعقول، ولا سائل ولا مسؤول إلا ويعلم من قبل وبعد كل (تخزينة)1 أن كل نفس بما كسبت رهينة، وكان أولى بك وأحرى إدراك أنه لا تزر وازرةٌ وزر أخرى.
 
ابتسم.. حتى كدت أقول: اتفقنا وائتلفنا! ثم كشر وقال: أو.. كيه.. أنا معاك.. ما اختلفنا! إلا أنه عبس وتقربس2 وأخذ زفرة وتنخّس، وخالف القول وبسبس3، ثم مرر يده على صلعته وعسعس، ثم دون أن يتوجس.. قال: شوووف قلت: هات يا معلوووف! (قلتها سراً بالطبع؛ وإلا لانقض علي كالظبع!)، أردف: يا أخي إذا تركنا القات، سيقتلنا الفراغ طول الأوقات.. وين نروح؟ نتخضب؟ وإلا نِعمل لحوح؟! قلت: نعم؟ يا روح الروح؟؟ وين نروح؟؟؟ عندك النوادي الرياضية وحولك المكتبات الثقافية وقِبَلَك الاستراحات السياحية التي تستقطب إخوانك من كل الدول الخليجية.. وتسأل: وين نروح؟؟؟؟ هذا الكلام مقدوح لا ممدوح.. ممسوح لا مسموح.. لا يقبل به لا ناصح ولا منصوح!
 
قال بعد أن سكت قليل: كل حكاية القات في اليمن أن لا بديل، قلت وما الدليل؟ قال: هذا كلام أكيد وليس قال وقيل! قلت وقد حملقت كما لم أحملق: أريدك أن تحدثني بالمنطق، أولى بك أن تندب الحظ وتطيل العويل!
 
وما هي إلا غضبة مني أطارت من حولي كل إنسي وجني حتى هدأ الرجل وقال على وجل: تعال يا أخي تعال فقد قلت الحق والحق يقال، صدقت صدقت في كل ما نطقت، فالقات مهلك الحرث والنسل وهو في كل كارثة أصلٌ لا بل هو الأصل، لكنني لا أتعاطى القات إلا لأخرج من مجلسي ذاك بقرار نهائي ألا أعود إلى القات!
 
ألا ليته قتلني قبل قولها.. ألا ليته قتلني قبل قولها!


1.قال صاحب المقامة: جاء في قاموس العفريتة والجنية.. في معرفة اللهجات اليمنية أن التخزينة مأخوذة من خزّن يخزّن تخزيناً وتخزينة، وهي كلمة بائنة مَبينة تصيب المثقف في اليمن بنوبة حزينة، إذ أصبحت الكلمة في هذا الزمان ظرفيةً تعني الزمان والمكان الذي يجتمع فيه الإنس والجان لمزاولة هذا الجنان.
 
2.يردف سالف الذكر وحول القاموس سالف الذكر في باب (تقربس) أن هذا الفعل المخمس، لعله حوى تحويراً صغير في حروف الشفتين وحروف الصفير فالأصل أنها تقرفص أي جلس القرفصاء وعليه وجب التنويه للقراء.
 
3.أما (بسبس) فلا هي من البِس والتي معناها القط، ولا هي من البسباس قَط! ولكنها اللكننة في العربية وضدها العكننة في العامية، واللكننة أو البسبسة هي كما عند المصريين أصحاب أعرق مدرسة، تعني ما يعنيه المصري حين يقول في عصرك وعصري: ما لاكينشي ولا حاجة مخافة أن تغادر الفكرة عنق الزجاجة.





تعليقات 5

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد فاموضوعك الذي انت طرحته لم يعجبيني بصراحة ولاكن الذي شد اتباهي هو الموضوع الذي تتحدث كنت عنه الا وهو القات وثانيا اخي العزيز انت اكثرت من السجع المبالغ فيه وظننت نفسي انني أقرأ قصة من كتاب ألف ليلة وليلة ولهذا نود التنبه

  2. أحسنت وبارك الله فيك وأبدعت وعقبال ما نشوف لك كتاب مقامات المريسي أما الأخوة الذين علقو فأقول هذا فن المقامات يوجد كتب أما قرئتم عن هذا من قبل مقامات الحريري مقامات الهمذاني مقامات القرني لشيخ عائض وهذه الكتب ممتعة لأقصى حد أنصحكم للقراءة فيه أمة أقرأ لا تقرأ

  3. تصدق عاد ياخي اول ما قريت الموضوع قلت اكيد انك بتهج بنا من فوق الزفلت وصدقني مالك على حلفان اني ( تقطبت بالحنايا و دقيت لطمه ) ول ماشاء الله عليك اهيب و الله اكبر وصباح الخير والسلام عليكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقامة القاتية

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول