“العيدية” تقليد أصيل وعادة متجددة


“كل عام وأنتم بخير”، “عساكم من عواده”، “إن شاء الله من العايدين” نقولها لكم بكل اللهجات “أعاده الله عليكم هذه الأيام المباركة باليمن والخير والبركات”. وتقبّل منكم خير الطاعات، وصالح الأعمال، ومنَّ عليكم بالخير، والهدوء، والسكينة. نستقبل عيد الأضحى كل على طريقته وعاداته وتقاليده، لكن ثمة ما يجمع بين أقطارنا العربية والإسلامية في هذا العيد، فيحرص الناس على التزاور، والتراحم تقويةً للوشائج الإنسانية، وغرسًا لبذور المحبة لتنبت مجتمعًا إسلاميًا طيبًا كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. لكن مع عِظَم كل ذلك؛ فلا غنى عن قيمة ثابتة في العيد “العيدية”.

العيدية

ربما تختلف المسميات من بلد لآخر، لكن هدفها واحد إدخال البهجة والسرور في هذه الأيام المباركة، فهي ليست بقيمتها المادية، إنما تحمل قيمة أسمى وأعظم من ذلك استكمالًا لمبدأ التراحم الذي دعانا إليه الله. وقال الفقهاء عن العيدية بأن لا حرج من أدائها، بل هي من محاسن العادات، وإدخال السرور على المسلم كبيرًا أم صغيرًا، وأمر رغب فيه الشرع المطهر. للعيدية كغيرها من العادات والتقاليد تاريخ أصيل يعود لمئات السنين من عصورنا الإسلامية العريقة. وكلمة “العيدية” منسوبة إلى كلمة “العيد” والتي تعني كثرة عوائد الله في هذه الأيام الفضيلة. والعيدية لفظ اصطلاحي أطلقه الناس على كل ما كانت توزعه الدولة أو الأوقاف في عيدي الفطر والأضحى.

عيد الأضحى

وكانت الدولة المملوكية تحرص على توزيع العيدية. وقد بدأت تأخذ شكلها الرسمي في هذا العصر، ولم تكن العيدية مخصصة للأطفال في ذلك الوقت، فقد كان الجميع من كبار وصغار ينالون نصيبًا منها. ولم تقتصر العيدية في الدولة الفاطمية على المبالغ النقدية، إنما كانت تشمل كسوة العيد، فأطلق الفاطميون “عيد الحلل” على عيد الفطر، حيث خصصت 16 ألف دينار لتقديم الكسوة إلى الناس قبل العيد. وكان الخليفة ينثر الدنانير الذهبية على الرعية الذين قدموا إلى القصر لتهنئته بالعيد من شرفته في القصر.

بنت تحمل عيديتها

وكانت العيدية تقدم على طبق يتوسطه الدنانير ويحيط به الكعك والحلوى، وكانت تُقدم إلى الأمراء والجنود، وقد كانت تعرف أيام المماليك باسم “الجامكية” ثم تم تحريفها إلى العيدية. وفي العصر العثماني تطورت العيدية فكان يقدم المال والهدايا إلى الأطفال، واستمر هذا التقليد حتى عصرنا الحالي. ويطلق الناس على العيدية في سوريا “الخرجية” والتي توزع على الأطفال من الأقارب. وفي المملكة العربية السعودية كانت تخصص أيام للعيدية تسمى بـ “أيام الطلبة” حيث يُخَصص يومان: يوم للبنات، وآخر للبنين، إذ يطرقون على أبواب القرية؛ فيقدم لهم أهلها ما في مُكنتهم. أما في الأردن وفلسطين فيتجمع رجال العائلة ليقدموا التهاني بالعيد للأقارب فيجودوا بما قدَّرهم الله عليه من أموال للأطفال.

أطفال العيد

  واليوم باتت العيدية من نصيب الصغار والنساء، وغالبًا ما تقتصر اليوم على النقود، فتكون قيمتها بحسب العمر. وللعيدية وقع كبير في نفوس الأطفال الذين ينتظرون هذه الأيام بفارغ الصبر كي يشتروا ما يحلو لهم. لكن يجب ألا ننسى بأن العيدية تتعدى قيمتها المادية والمعنوية إلى القيمة التربوية فهي وسيلة لتعويد الأطفال على حسن التدبير والتوفير، والابتعاد عن الإسراف والتبذير، ومن شأن ذلك أن يربي الطفل على وضع خططه الاقتصادية المتوازنة مستقبلًا. أعاد الله علينا هذه الأيام بالخير والصحة والسلامة، وأمنياتنا بعيد مبارك، وعيدية قيِّمة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

“العيدية” تقليد أصيل وعادة متجددة

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول