الدخيلة – قصة قصيرة


( قصة قصيرة )
( الدخيلة )
بقلم : عبدالعزيز الحشاش

حدثنا شاكر متنهدا بحرقة، وبقايا دخان أسود يغطي وجهه وأماكن متفرقة من ثوبه :

– لو كنت أعلم بأن الحال سينتهي بنا هكذا .. لما كنت فعلت ما فعلت

لا ألوم شاكر على ندمه .. فهو مثال لمن أراد أكثر .. فلم ينل شيئا .. أو كما يقال .. أرادها نارا تدفئه .. فأحرقته.

شاكر رجل متزوج من امرأتين .. كلاهما ند للأخرى .. ورغم مرور دهر من الزمن على تواجد كل منهما في وجه الثانية، كل يوم وتحت سقف نفس المنزل، إلا أنهما لا تنفكان تحيكان الحيل وتدبران الخطط لنيل كل منهما من الأخرى.

فالأولى ( موضي ) ترى نفسها الأحق في شاكر .. وفي البيت .. وفي كل شيء تلمسه يد الثانية.. ( عائشة) . وكلما احتد النقاش بينهما، الذي سرعان ما يتحول لشجار .. ثم لقتال .. أنهت موضي المشهد، وبقايا من شعر عائشة في يدها – بعد تدخل شاكر والأبناء للتفريق بينهما – بجملة :

– أنا الأولى .. والأولى تحلى لو كانت وحله

عائشة، رغم أنها تعلم بأنها دخيلة، وبأنها الثانية، إلا أنها لا تنفك تعاير موضي بعيوبها التي كانت سببا في دخولها هي للبيت، وفي كل مرة تحيك خطة لتطيح بموضي وتغسل رأس شاكر عليها، تنجح الخطة .. فترمق موضي بنظرة انتصار قبل أن تختبئ في غرفتها وهي تردد :

– أنا الثانية .. الأصغر والأجمل

نعم عائشة صغيرة وجميلة، ولكنها أحيانا تطبق مقولة: كوني جميلة واصمتي .. أو الفكرة السائدة عند الجميع .. بأن كل جميلة غبية !

فكم من مرة أضافت عائشة الفلفل في كوب الحليب ليلا والجميع نيام، الحليب الذي تحرص موضي على شربه كل صباح، دون علمها، وفي لحظة غفلة .. تنسى نفسها صباحا وتفتح الثلاجة وتشرب منه بعد نوبة عطش اثر ممارستها رياضة اليوغا التي تعشقها في ساعات الصباح الأولى .. فتقفز في مكانها متألمة كاتمة صراخها بعد لهيب اشتعل في فمها ومعدتها.

حتى موضي لم تكن بذاك الدهاء .. فكم من مرة تعمدت أن تبدل مسحوق الغسيل الأزرق الذي تستخدمه عائشة لغسل ملابس شاكر بصبغ لطلاء المنزل يحمل نفس اللون .. وفي لحظة غفلة .. نست أي مسحوق من المساحيق المرصوصة في الرف استبدلته بالصبغ .. فسحبت أحد المساحيق وصبته داخل الغسالة .. وبعد ساعة من الزمن .. عادت لتجد عباءتها السوداء تحولت لزرقاء ..!

أما شاكر .. فرغم الفوضى التي تعم بيته، ورغم الحرب الدائرة من حوله، فهو يشعر بلذة خفية حين يلاحظ المكائد التي تحيكها كل من الزوجتين للتغلب على الأخرى والفوز برضاه .. فهو بالنهاية رجل .. ولا يرضي غروره سوى تقاتل المرأتان عليه.

ولكن شاكر نسي ما كانت تردده أمه دائما: الطمع عدو الإنسان ..

فبعد رحلتان إلى شرق آسيا .. وبالتحديد تايلاند .. وجد نفسه مغرما في النعيم التايلندي ..

– نسائهم هناك خلقن لسعادة الرجل

هكذا كان يردد في مجلسه مع الرجال، الذين لم يجد منهم إلا كل تشجيع على متابعة السفر إلى (جنة الله على الأرض) كما كانوا يدعونها . نفث أحدهم دخان الشيشة في المقهى الذي يجتمعون فيه كل ليلة .. وقال محفزا :

– ولماذا الخسائر؟ بدل أن تذهب أنت إليهم .. أحضرهم إليك

لمعت الفكرة في رأس شاكر .. وأخذ يفكر فيها نهارا وليلا .. حين يقضي الليلة عند موضي .. أو عند عائشة .. اللتان استغربتا شروده أثناء قضائه الليلة عند إحداهما.

وحين شعرت كل منهما بالخطر .. كان الاتحاد .. فصارحت كل منهما بمخاوفها تجاه شرود أبو العيال عنهما ..

سافر شاكر .. وكانت الوجهة للجنة المنتظرة .. بقيت الزوجتان تنتظران بقلب منقبض .. وبتوجس غير معهود .. وحين عاد .. عادت الدخيلة الجديدة معه.

(آيس) رشيقة .. فاتنة .. دلعها آسيوي بحت .. شعرها أسود كالفحم .. طويل وأملس .. وعندما يحدثها أحد لا يعرف إن كانت على وشك النوم .. أم استيقظت لتوها .. فعينيها ناعستين دائما.

وبعد ضجة وبكاء و نحيب .. جلست الأولى والثانية تندبان حظهما وترمي كل منهما بهمها على الأخرى .. صرخت موضي:

– آيس؟ أهذا إسم؟

ردت عائشة وهي تؤيدها للمرة الأولى :

– اسم يعكس أصل صاحبته .. فهي باردة كالثلج

وهكذا وقعت كل منهما مع الأخرى شفهيا وثيقة تحالف ضد الدخيلة الجديدة .. التي لم تنفك تدلع أبو العيال أمامهما متعمدة .. فتطعمه الفاكهة بأشكالها، وتعد له الشيشة بعد الغداء .. وتدلك له كتفه قبل أن يشكو من آلامه .

لم يعجب الوضع موضي وعائشة، ولم يطل انتظارهما كثيرا حتى وصلتا لصيغة نهائية للخطة التي ستطيح في (آيس) .

بعد أن أصبحت الزوجة الجديدة محسوبة على شاكر أمام الأهل والناس، كان لا بد من أن تلتزم بالتقاليد المتعارف عليها .. فألبسها الشيلة والعباءة .. وأجبرها أن تكف عن التودد للخادمات كونهن بلدياتها ..!

ومن هنا كان المدخل للمتحالفتين .. وفي يوم تفاجأ شاكر بالأولى والثانية تسحبانه إلى غرفة الأبناء بعيدا عن عين الثالثة .. استغرب تعاونهما .. وجلوسهما قرب بعض أمامه .. قالت الأولى :

– هذه الآسيوية التي أتيت بها من بلاد لا نعرف دينها ولا أصلها تتربص بك شر

هز رأسه غير مستوعبا :

– لا أفهم

همست الثانية بحذر :

– زوجتك الجديدة التي فضلتها علينا تغافلك وتعملك السحر من وراءك

– وكيف تعملي السحر وهي طوال الوقت أمامي

هزت كتفها باستهزاء .. ردت واثقة :

– بنات بلدها الخادمات اللاتي أتيت بهم ليعاونها على شرها .. لقد رضعن من صدر واحد .. صدر إبليس

فكر شاكر كثيرا .. وأصبح مهووسا بالفكرة .. ولكنه أعلم بخبث المرأتين .. رغم ذلك شيء في صدره يهمس له : كلهن خبيثات ..

أحس شاكر بأن الوضع غير طبيعي في البيت .. الثلاث يبتسمن له كلما مر من أمامهن .. الثلاث يعددن له الغداء .. الثلاث يقشرن له الفاكهة .. والثلاث يعددن له الشيشة .. وفي المساء تودعه كل واحدة منهن حين يأوي إلى فراش الأخرى .. وفي عين كل منهن تبيت النية .. ولكن أين هي النية ؟ وعند أيهن ؟

وفي صباح أحد الأيام .. صحونا في حينا على صوت سيارة المطافئ تقتحم شارعنا، والمياه تغمر بيت شاكر .. ونسائه الثلاثة وأطفاله في الخارج ينحبون ويبكون بيتهم الذي احترق .. وحين سألنا أحد أبنائه قال :

– لم يذق أبي طعم النوم منذ شهر .. كان خائفا من غدر أمي وزوجاته الأخريات .. وكلما دخل غرفة في البيت وجد في إحدى زواياها خرقة ملفوفة وفيها أشياء غريبة مدسوسة في شق الحائط .. وفي الأيام الأخيرة زاد توجسه منهن .. فأخذ يشب البخور في كل شبر في البيت .. وتحت كل سرير .. وعند كل باب .. حتى أصبح بيتنا مبخر كبير .. تبخرت بين دخانه الأسود آخر قطرة استقرار

– تمت –


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الدخيلة – قصة قصيرة

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول