الخوف من الفلسفة


لم يكن من السهل أن ابقى بكامل تركيزي في محاضرة يتحدث فيها المحاضر عن تفاصيل الأيدولوجية ، ويتحدث عن التفاصيل التي ورائها من أفعال ومعاني وأفكار، كانت بداية صعبة لشخص لم يقع مثل هذا المصطلح على أذنيه من قبل بهذه الجدية، بل على العكس، كان يعتبر الحديث بمثل هذه المصطلحات تعتبر “فلسفة”، وهذا هو فعلاً الذي حصل، والدليل على ذلك أنني عندما استغرب أحد أصدقائي عن سبب اختفائي يومها وسأل السؤال المشهور: “وينك؟”، وقمت أنا بالإجابة بكل ثقة على هذا السؤال بـ: “كنت في محاضرة تتكلم عن فلسفة التغيير”، فتلقيت الجواب الكوميدي الذي كنت أتوقعه تماماً: “إنت بتموت في الفلسفة” 🙂

فعلاً، نحن شعوب “نخاف” من الفلسفة، ونعتبرها شيئاً سيئاً، ونصف كل من يحاول أن يحور الكلام ويقلبه ويستخدمه لإبراز نفسه بأنه “متفلسف”، وقد درج هذا المعنى لتلك “المهنة” الرائعة بيننا حتى أننا لم نعد نشعر أننا نسب مهنة مثلها مثل الطبيب أو المهندس أو النجار.

المحاضر الذي كان “يتفلسف” هو الدكتور جاسم سلطان، وقد بدأ أولى أيام دورته معنا بالمصطلحات التي صَعُبَ علي فهمها في البداية، لدرجة أنني قررت عدم حضور باقي أيام المحاضرة، ولكن إصرار أخي علي بالاستمرار كان محفزاً بعض الشيء، حيث أنه حفزني للحضور بطريقة ذكية تدل على فهمه لطريقة تفكيري وما الشيء القادر على سحبي على تلك المحاضرة راضياً.

أنا هنا لست بصدد سرد ما قمت بدراسته مع الدكتور في تلك المحاضرة، وأكتفي بذكر أن هذا الرجل – فعلياً – غيَّر طريقة تفكيري للأمور وكيفية فهمها، حيث أنني من تلك اللحظة وأنا أشعر أن كلامه يتجسد أمامي في مشكلات مجتمعاتنا يومياً، وأصبحت أكثر وعياً للقيود التي حولنا تمنعنا من التطور الديني والعلمي والفلسفي، ولكنني أرغب في إلقاء الضوء على جملة قالها في محاضرة من محاضراته، كانت هي مفتاح لفهم كيفية بدء مشروع النهضة الذي يتحدث عنه، وأنا متأكد من أن هذا المفتاح هو من المفاتيح المهمة للوصول للنهضة التي نسعى إليها جميعاً، هذا المفتاح هو “تعريب العلوم”.

أشهر الجُمل الدارجة في وقتنا الحالي، والتي لها “الفضل” الكبير في تحبيط الهمم وإكسال الجموع هي جملة: “بدنا مليون سنة علشان نلحق الغرب بالتكنولوجيا والعلم”، وهذه الجملة لو جئت تفكر فيها قليلاً، تجدها فعلاً جملة صحيحة تماماً، ولا أحد يستطيع أن يختلف معك في صحتها، ولكنها في نفس الوقت هي مفتاح الحل، من قال أننا بحاجة للبدء من الصفر واللحاق بالغرب بالعلم والتكنولجيا؟! من قال أننا لو بدأنا نلحق بهم سنصل للتطور مثلهم؟ وحتى لو قررنا جميعاً فعل ذلك لاحتجنا فعلاً أكثر من مليون سنه، ولكن مع تطرق الدكتور جاسم لموضوع كيفية تطور أوروبا من بعد عقود الظلام والجهل، أشار إلى نقطة الترجمة التي قاموا بها الأوروبيين، فأخذوا جميع علومنا العربية والكتب، وقاموا بترجمتها إلى لغاتهم ليسهل عليهم فهمها، وبدأوا هم من حيث إنتهينا نحن…

أنا شخصياً أرى أن تعريب العلوم هو من أحد أهم المفاتيح التي بها سنصل بإذن الله للتطور والنهضة التي نسعى إليها، والعمل على مشاريع نهضوية يجب أن يحتوي على تعريب لما وصل إليه الغرب من علم وتطور، وهذا الشيء لا يعيبنا أبداً، بل على العكس، يدل على تعايشنا مع جميع المجتمعات، وخلق نوع من الترابط بين الشعوب والأفكار، ولكن بالطبع مع الحفاظ على هويتنا الإسلامية والحفاظ أيضاً على الهدف الأساسي وهو النهضة.

دعوني أعود قليلاً للـ”فلسفة”، حيث أنها حظيت بيوم كامل من المحاضرة للحديث عنها، وكيف أنها كانت مهنة المفكريين والمبدعين في أوروبا، وأن جميع العلوم العقلية والكونية بدأت بفلاسفة حاولوا شرح ما لم يستطيعوا فهمه بالمنطق، فشرحوا الفلك والرياضيات والفيزياء والطب بالفلسفة، وكانوا على استعاد كامل أيضاً لشرح الدين بالفلسفة، ربما في وقتنا الحالي نحن لسنا بحاجة لفلاسفة، ولكننا بحاجة للتفكير بشكل مستقل مثل الفليسوف، لنحاول أن نجد حلاً سريعاً ومجدياً لمشاكلنا الحالية، ولهذا لا تشعر بالإهانة بعد اليوم لو قام أحدهم و”غلط عليك” وقال عنك أنك ” فليسوف” 🙂

لمحة: تحدث الفيلم الأسباني “Agora” عن أحد الفلاسفة المشهورين الذين عاشوا في القرن الرابع، وهي الفليسوفة “هيباتيا” ، وقد عاشت هذه المرأة الفترة التي خسرت فيها البشرية مكتبة الإسكندرية، فقد احرقت هذه المكتبة بالكامل في وقت كان الصراع قائم بين اليهود والمسيحين والوثنيين، وكانت هيباتيا ضحية من ضحايا الصراعات الدينية لأنها اعتبرت “مهرطقه” جراء ما تفكر به وتحلله بالفلسفة، فكانت أول من فسر دوران الأرض حول الشمس بشكل بيضاوي، وكانت من الفلاسفة الذين أصروا أمام البشرية على أن الأرض كروية وليست مسطحه .

Mohammed Sadeq


تابع جديد رسائل المجموعة على تويتر

/
twitter.com/AbuNawafNet


تعليقات 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الخوف من الفلسفة

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول