إنسان القبر .. وإنسان القمر !!


تمضي البشرية قاطبة في رحلتها على هذا الكوكب في حراك يومي نابع من دوافعها ورغباتها وحاجياتها النفسية والبدنية والروحية والعقلية.
فالإنسان يتحرك كما يؤكد العلماء بين قطبين متنافرين فهو إما باحثاً عن لذة أو هارباً من معاناة .
والشعوب تختلف في عاداتها وممارستها وسلوكياتها وهذا نفهمه وهو من اختلاف التنوع البشري الذي نجده مهماً لتتكامل البشرية في الأدوار والوظائف والأفكار والمنتجات.
ولكن ما أجده غريباً ومريباً هو قضية التركيز أو قانون الاهتمامات لديهم فالمسلمون والذين أكدت الدراسات الأخيرة
أن العالم شهد تتويجهم في بدايات هذا العام كالدين الأول في العالم على مستوى الشعبية والأتباع بعد تربع المسيحية على هذا المركز لعقود طويلة
ولكن هذه الإحصائيات ليست بتلك الصورة الوردية كما يعتقد البعض حيث أن الفاعلية تغيب عن هذه غالبية الأعداد الضخمة المنتشرة في أغلب بقاع الأرض !!
ورغم أهمية رسالتهم السماوية وسموها وعالميتها وتضمنها لأفكار مركزية هامة ومحفزة للبشرية من أبرزها فكرة الاستخلاف في الأرض وعمارتها
وهو نستطيع أن ترجمه للفهم المعاصر عبر كلمة « التنمية « فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو رسول إلى العالمين وهو رسول رحمة وبناء وخيرية وتسامح وائتلاف .
ومن هنا نجد الإنسان المسلم في نسيجه الفكري والمعرفي في الغالب منفصل عن هذا القيم الكبرى فلقد كرس الخطاب الإسلامي المعاصر جل جهده في باب العبادات
وقصر في باب المعاملات وغيب باب المشروع الحضاري الإسلامي الذي يكرس أن الدين الإسلامي ومنطلقاته هو رافعة حضارية للأمم والشعوب
بل للعالم ككل بحكم أنه الخطاب الإلهي الأخير للبشرية والرسالة الختامية من السماء إلى أهل الأرض وقد تضمنت خارطة الطريق الكاملة للبشرية بإعجاز رباني متناهي الدقة .
وهنا يخرج لنا سؤال فلسفي خطير وهو أذا كانت قيم هؤلاء ومنهجهم بهذه الروعة فلما يقبع اغلبهم في ذيل القائمة دائماً
ويعانون ما يعانوه في فقر وبطالة ومرض وظلم واستبداد وقهر وجهل وضعف وشتات وتدهور في المستويات العلمية والسلوكية والأخلاقية والمعيشية .
وهو سؤال يجعلنا أمام حقيقة الانفصام الخطير بين النظرية والتطبيق وبين مقاصد الشريعة وميادين التطبيق .
وبين الإنسان الذي أراده الله أن يعمر الأرض وبين الإنسان الحالي الضعيف المرتبك المشغول بهمومه الشخصية وتحديات اليومية والحائر بها ومعها
بين الإنسان المغيب لعقله المقدس لعاداته والهارب من مواجهة واقعه وإصلاحه
وهنا نرصد قضايا مهمة نستطيع جميعاً أن نتوقف عندها وهي كما أسلفت إذا أردت إن تعرف مدى تقدم أي امة وقوتها فركز في قضية الاهتمامات التي تجذبهم ويطوفون حولها بشغف ولهفة..
وهنا تعالوا لنرصد الاهتمامات العامة لشرائح المجتمع المختلفة.
وسنجتهد ما استطاعتا أن نكون عادلين ومنصفين ولكن لنتساءل هل عالم الاهتمامات عميق أم سطحي وهل اهتمامات المجتمع
تحول مفاصل الحاضر الأساسية أم المستقبل المركزية وهل هي اهتمامات آسرة وملهمة أم أنها اهتمامات عابرة وسطحية تحوم حول المتع المختلفة
والترفيه والتسوق والاستهلاك وقتل الوقت بأي سلوك أو تصرف .
وهنا نرصد أيضاً ماهي الأحاديث العامة المسيطرة على اللقاءات والاجتماعات بين الأهل والأصدقاء والصحبة وماذا يدور فيها ؟؟
حيث تضل دائرة الاهتمامات حاضرة هناك ونسأل هل هي الأحاديث المعتبرة والعميقة والمجدية أم أنها أحاديث الإشاعات وتحليل الشخصيات
وقصص الخرافة والسحر وهوس العين والحسد وتفسير الأحلام والتحاور المطول والدائم عن علامات الساعة وقربها ونهاية العالم وقصص القبور وأحوال الأموات
وإخبار الوفيات والأمراض والعلل والحوادث ومدح الماضي وسب الحاضر والتشاؤم من المستقبل وتناول آخر الأطروحات السلبية القاتلة لطاقة الإنسان
والشكوى الدائمة من الحياة والتشاؤم من القادم ومن ثم الاستمتاع بالتعريض بالناس والحديث عنهم !!
وهذه نبذة عابرة لأحوال البعض وليس الكل من طبقات المجتمع هنا وهناك , ولكنها شريحة مهمة ولها حضور كبير بيننا وتأثير قوي عليننا .
وهنا نتوقف كثيراً مع المفهوم الإسلامي للحياة فحديث إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة واستطاع أن يغرسها فليفعل.
يدل على غير هذا السلوك والمنهج , وتؤكد ذلك الآية الكريمة واعبد ربك حتى يأتيك اليقين والعبادة هنا ليست محصورة في العبادات المحددة بزمن أو كيفية
بل المعنى متصل لكل ما عقدت النية فيه انه لله تعالى من العلم والعمل والإنتاج وصنوف ممارسات الحياة المختلفة.
هنا تبرز الحاجة لمراجعات دقيقه وعميقة لممارساتنا اليومية حيث جاء الدين والحاجة البشرية لتشجع العلم وليس الخرافة والحقيقة وليس الإشاعة
وإعمال العقل وليس تعطيله وتأمل النص والانطلاق منه للتجديد وليس للتجميد والركون .
جاء ليكرس الأمل على الإحباط واستثمار الوقت على قتله ودفع القوى البشرية للعمل والإنتاج لا للدعة والاستهلاك ويعزز قوى العمران والتحضر
لا التراجع والتخلف , التقارب والتآلف لا التصنيف والاصطفاف والكراهية
ناهيك أن الفهم العميق لقيمة الباعث الديني والإنساني سوف يغير الكثير من السلوكيات والممارسات وسوف يجعلنا نقدر قيمة الحياة وفرصة العيش
فالقيم الحاضنة للفكرة الإنسانية للدين تعزز الإقبال على الحياة والحماس في العمل والبحث عن الإبداع وتحارب القعود والكسل والإحباط والتسويف والإسقاط على الآخرين.
فها هو العالم يبحث ويتساءل هل هناك حياة في المريخ وهل هناك ماء في القمر وهل هناك قدرة على العيش هناك , وهاهم اليابانيون
قاموا من أزمة التسونامي والحرب العالمية الثانية أقوى وأكثر شباباً واقبلاً على الحياة والتنمية ونحن ما زلنا نتحدث عن النكبة والنكسة !!
إن انشغالنا بما لا يفيد يجعلنا تائهين حيارى في القشور بينما يتصارع العالم على اللب والجوهر وهنا تبرز حاجتنا لمراجعة كبيرة لعالم المعتقدات والقناعات الحاكمة للسلوك
التي جعلتنا ندخل عالم البرزخ والقبر ونوغل في الحديث عن ما حجب عنا عنوة من الله تعالى ونتكهن في لا يليق بنا أن نتكهن به .
بل أن الواجب الشرعي والبشري والحاجة الحياتية تحتم علينا أن نبعث ثقافة الأمل والايجابية والحياة المثلى المنشودة وان نعمل لخير الدارين بكل توازن .
بدل ثقافة اليأس والسلبية والخرافة والتشاؤم والضعف والانكسار الدائم .
فعلامة الساعة وجدت لتشحذ فينا الهمة على العمل قبل نهاية العالم وليس لليأس والقنوط والقعود عن واجبنا في عمارة الأرض والاستخلاف المجدي والنافع فيها .
فهل نكون إنسان القمر المتطلع أم إنسان القبر المستسلم ..
هل نبث في فضاءاتنا روح الحياة أم نشتم في أزقتنا رائحة الموت ..
هل نشعل شمعة أم نعلن الظلام ونعانق الاستسلام كي ننام مرة أخرى .

سلطان بن عبدالرحمن العثيم
مستشار ومدرب معتمد في التنمية البشرية والتطوير CCT
باحث في الفكر الإسلامي والسيرة النبوية الشريفة

ايميلي
مدونة نحو القمة
أسعد بقربي من عالمكم الجميل عبر
تويتر


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إنسان القبر .. وإنسان القمر !!

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول