أحلام تائهة (1)


(1)

بدء الصيف يكشر بأنيابه معلنا صيفا حارا جدا ، وكما هي العادة فإن مناخنا الحار والجاف يزيد من حرارة طباعنا وجفافنا .
هي جملة متوارثة ورثناها عن أبائنا وهي تلك شماعتنا التي نعلق عليها قبح طباعنا وأخلاقنا .
وفي ذلك الصيف الملتهب وفي نصفه وقفت حنان تحمل طفلتها أمل وهي تنظر من نافذة الطابق العلوي لمنزل أباها تنظر لدوامة الرياح تعيث في الشارع بلا احترام أمام تلك العربات التي خففت من سرعتها خوفا واحتراما لجبروتها .
توجهت تلك الدوامة نحو حنان وزادت من سرعتها ارتعبت حنان ضمت ابنتها بشده وتراجعت للخلف ببطء وهي تكرر لن يحدث شيء …
وفجأة.. ومن خلفها صوت الباب يفتح التفتت فإذا بأختها أميرة تطل من الباب وبصوت عذب هل باستطاعتي الدخول ؟
نعم .. نعم تفضلي …
وفي الخارج اصطدمت الدوامة بجدار منزل أبا حنان الصلب وانتهت.

(2)

على كرسي الاسترخاء استلقت أميرة بعدما أن عدلت وضعيته بوضعية النوم وأمامها جلست حنان على كرسي مخصص لراحة الأرجل وبيديها الاثنتان ضمت ابنتها أمل والتي أكملت من عمرها قبل أسبوع ثلاثة أشهر ، أطالت النظر في أختها المستلقية أمامها مغمضة العينان .
وبعد برهة من الوقت فتحت أميرة عينيها ورفعت رأسها قليلا وارتسمت ابتسامه شفافة على شفتيها .
اخبريني قالتها حنان بتلهف شديد .
أميرة : عن ماذا!؟
حنان: أنت تعرفين !!
عدلت وقتها أميره وضعية الكرسي لوضعية الجلوس .
وبصوت عالي قالت بعد أن وضعت كلتا كفيها مفرودتين على خديها لقد قبلت في كلية الهندسة المعمارية …
صرخت حنان من الفرحة ولكنها لم تكد أن تعبر عن فرحتها إلا واستيقظت الطفلة مرعوبة .
نظرتا الاثنتان نحو أمل مبتسمتان والخجل يملأ وجهيهما , ربتت حنان قليلا على ظهر أمل ابتسمت وقتها وثم عادت لنومها ، ذهبت حنان لسرير أمل ووضعتها فيه ، ونظرت من مكانها باتجاه أميرة ورفعت كلتا يديها ووجهتها نحو أميرة وركضت نحوها وقتها تسمرت أميرة في مكانها وما هي إلا ثواني واحتضنتها حنان وهي تبكي ، ابتسمت أميرة دون أن ترفع يديها أو تحرك ساكناً غير عينيها التي بدأت بإسبال الدمعات ، لقد نجحتُ قالتها بصوت متقطع متأثر .
رفعت حنان رأسها وقابلت وجه أميرة نعم نجحتِ ومبارك يا أختي الغالية ومشوار الألف ميل يبدأ بخطوة .
رددت أميرة بصوت خافت بل قولي يا ابنتي الغالية .
يا ابنتي الغالية .. وعادت واحتضنتها بعد أن رددتها مرتين .

(3)

جلس أحمد في مجلس المنزل وقد شرد بذهنه رافعاً رأسه للأعلى موجه نظره إلى الثريا الضخمة المعلقة بسلسلة فضية اللون وتمتد من قبة المجلس إلى مسافة أربع أمتار عن مستوى الأرض .
ضلت تتلاعب به الأفكار وتغرقه أمواج الهواجس ، أكمل وقتها على حاله هذه مدة ساعة كاملة إلى أن نملت عضلاته وأحس بوجعها فقام من مكانه ببطء يتحسس ويدلك عضلات يديه ويحرك رأسه يمنة ويسرة ، وسار نحو باب المجلس ليخرج فلقد سأم الانتظار ، فما أن فتح الباب إلا ووجد أباه يسير نحوه بصمت قاتل وبنظرة ثابتة إلى وجه أحمد ، ارتعبت فرائص أحمد وتعرق وجهه وبدأ بمسحه بيده يمنى ، وما هي إلا لحظات ووصل أباه إليه وقال كلمة واحدة أدخل ..
ولم يدري أحمد إلا وهو يجلس على طاولة الشاي التي بأمام الكرسي الذي جلس عليه أبوه .

(4)

عندما يبنى جسر فوق نهر كان يفصل بين قريتين ليجمع بينهما فإنه يكون رمزاً شعبياً ويوم بناءه عيداً لكلتا القريتين وأداة رومانسية يشير لها شعراء القريتين ونموذجا على التلاحم والترابط بين تلك القريتين ولكنه إذا تهدم وجرفت حطامه مياه النهر فإن الغالب من الناس سوف يتشاءم وسوف يرمي باللوم على الطرف الآخر لأنه لم يعر قوة تحمل الجسر أي اهتمام وذهب لقضاء مصالحه دون اكتراث ، ويبدأ النزاع بين تلك القريتين وتتوتر العلاقات بينهم وربما تنقطع ، وذلك لسبب واحد وهو أن لم يكن هناك توازن في عملية التلاحم والترابط بينهم .
هل فهمت مقصدي يا عزيزي قالها الأب بصوت الذي ينبئه حدسه بوقوع مكروه لابنه .
صمت الابن وهو يرسل نظره إلى الأرض .
كرر الأب هل فهمت يا عزيزي ؟
نظر الابن أحمد إلى أبوه وبعينين بدأت للتو تتوقد ثقة : ولكن يا أبي نحن في عصر المدن والقرية ذهبت إلى النهاية ولا أقول كلامي هذا استهزاءاً بك بل لأثبت لك يا أبي العزيز أن مصطلحاتك لا تزال قديمة فأنت لم تجدد من فكرك وثقافتك ولقد وقفت عند المحطة التي راقت لك وارتحت في البقاء فيها ولم تفكر ولو فكرة بأن تكمل الطريق ، وحان الآن دورنا لنكمل للمحطات الأخرى فلقد سئمنا البقاء هنا .. آسف يا أبي .. قالها خجلاً بعد أن شعر في نفسه أنه أقل أدبه مع أبوه .
ابتسم الأب ونهض وعندما أعطاه ظهره نظر الابن إلى أبوه والذي بدأ بالحديث :
عزيزي أنت الآن ترى ظهري لأنك تقدمت للمحطات التي تريد وربما تمر أيام لا ترى غير جثتي ولكن اعلم أني سوف أذهب من الحياة وأنا متمسكاً بقيمي وتقاليدي التي ورثتها عن أباء أخيار وأجداد أبرار وسوف يذكرني الناس بها ، طفلي قالها مستصغراُ لابنه أحمد : سوف تذكر ذلك عندما تصير في سني وربما قبل ذلك بكثير وخرج من المجلس .

(5)

مستشفى المدينة يعتبر أول المستشفيات في المنطقة ومن أضخمها بنياناً ، وتخصص له الدولة ميزانية ضخمة تزيد سنة عن سنة ، ولكن على ما به من أجهزة متطورة وحديثة وغرف عمليات مزودة بآخر ما طرح في الساحة الطبية من معدات وعلى ما به من ردهات واسعة وغرف فردية للمرضى رغم كل ذلك لا يعتبر ثقة لأهل المدينة ، وذلك لضعف تأهيل الكادر الطبي وعدم خبرته ، ولإدارته الفاشلة والتي تتغير على الدوام ، وللغش والخداع المشترك بين أغلب أفراد الإدارة والكادر الطبي .
وفي عيادة الأطفال جلست حنان وهي تحمل ابنتها أمل والتي أكملت منذ أيام السنة الواحدة من عمرها وأتت بها للكشف الدوري .
زحام شديد وهو كما أسلف سابقاً من تبعات فشل موظفين المستشفى والذين لا يتمتعون بأي روح إنسانية اتجاه أفراد المجتمع ، والذين انفصلت العلاقة بينهم وبين موظفين المستشفى بسبب كثرة الشكاوى والصراعات والصدامات ، وبما أنه الوحيد في المدينة المجاني فلقد رضي الكثير تحمل كل ذلك .
إن مهنة الطب والتمريض وان كان ممارسها أعلم بواجباته ، هي من المهن الإنسانية في المقام الأول ولا ترتبط لا بدين ولا عرق ولا مذهب ولا طائفة ولا توجه كان أدبي أو حزبي أو أخلاقي ، هي مهنة تعنى بالإنسان للإنسان فالرابط بينهم هو الإنسانية فقط ويكفي بها رابطاً وثيقاً ، والمال إن كان هو سعي ممارسين تلك المهنة فحينها يتحولون لمجرد آلات لا إنسانية فيها بل ربما في بعض الأحيان إلى شياطين مستعدة أن تفتك وتقتل فقط لأنها لم تعط المال الكافي أو المنصب الأكبر ، الطب والتمريض يساوي إنسان لإنسان مع تعرية لكل الروابط وحذف كامل لها ، وما عدا ذلك فهو خيانة وخداع .

(6)

دخلت حنان لغرفة طبيب الأطفال بعد جلوس على مقعد الانتظار لمدة ساعتان ، وتم فحص الطفلة في غضون خمس دقائق فقط ، وصرف لها الطبيب مجموعة من الفيتامينات ليست بحاجة لهن الطفلة أمل ولكن كعادة هذا المستشفى وكرمه الزائد وجوده ولحسن ضيافته يجب صرف المزيد من الدواء للزوار وهذا أسلوب ينتهجه المستشفى ليخفي السرقات التي تحدث من الميزانية المخصصة للدواء من قبل الوزارة المسئولة .
أخذت حنان وصفة الدواء ونظرت فيها وبما أنها تحمل ثقافة ممتازة في المجال الطبي وضعتها في حقيبتها دون المرور على الصيدلي .
توجهت نحو العربة التي كان ينتظر بها السائق الخاص بعائلتها والذي لا يحمل أي شهادة في حسن التصرف واللباقة مع النساء فلقد جلس في مقعده ينظر إليها وهي تتقدم نحو العربة ولم يكلف نفسه النزول وفتح الباب لها واحترامها بالمقام الأول كامرأة وفي المقام الثاني وهي تحمل بين يديها طفلة ولذلك سوف يكون من الصعوبة فتح الباب .
لقد حمل ذلك السائق الآسيوي كثير من عادات الرجال في مجتمعنا وهو أن المرأة لا قيمة ولا وزن لها .
وإن زين كثير من المسئولين صورة المرأة وأنها محترمة ولها مكانتها المرموقة في المجتمع كل ذلك مجرد خداعات تنشرها وسائل الإعلام لكي يجد هؤلاء المسئولين امتيازات من المنظمات العالمية .
ولو كانت المرأة بجد محترمة لما تكدست قضايا التحرش والاغتصاب والضرب والإهانة على هذا المخلوق الضعيف في مراكز الشرطة والمحاكم ،
ولو كانت صدق لها مقام رفيع فالمجتمع لما جعلوها سلعة رخيصة لعرض البضائع التجارية والرقص والتعري واستغلال حاجتهن لكل ذلك ،
ولو صدق كلامهم ولو قليلاً لما أهينت المرأة في العمل وحملت فوق طاقتها وضغط عليها مدرائها إما لتضعف أمامهم وتميل معهم أين أرادوها ، ولما استغلت حاجتها للمال لكي يكدسوا فوق رأسها المعاملات ويضعونها في مواجهة الجمهور ويندس الرجال في المكاتب الداخلية وتتلقى هي صنوف النفسيات المختلفة ومن جميع الجنسيات .
قعدت حنان في المقعد الخلفي للعربة وهي تغوص في أفكارها وبدون سابق إنذار دوى صوت كابح العربة بشدة أفاقت حنان على إثره وضمت إلى صدرها أمل وأغمضت عينيها .
هدأ الوضع لا صدمة ولا انقلاب ، ونظرت وإذا عربتهم كانت سوف تقع فريسة تحت عجلات شاحنة ضخمة يسير بها سائقها وكأن لا أحد في الطريق غيره وكان وقتها يخرج من احد المناطق ، ودون اكتراث أو انتباه خرج أمام العربة التي تقل حنان وابنتها .
و زاد حدت الموقف بعد أن فتح سائق حنان النافذة وبدأ بكيل السباب والشتائم لسائق الشاحنة والذي فضل الصمت والابتسام وربما هو يقول في نفسه اغرب عن وجهي وإلا سوف أجعلك عجينة تحت عجلات شاحنتي .
وعادت حنان لأفكارها بعد أن هدأ الوضع وغاصت في أحلامها إلى أن أوقفها صوت السائق لقد وصلنا .

(7)

مكتب كبير وفخم جداً في الطابق الأخير من مبنى مكون من أربعة طوابق ، تزينه نوافذ عملاقة تبدأ من أول الأرضية إلى السقف وتفصل بين كل نافذة عمود لا يتجاوز المتر الواحد .
وقف صاحب ذلك المكتب ينظر عبر النافذة المطلة على البحر شارد الذهن ساخط النفس .
إن الدولة تريد تمكين المرأة وبقوة في المناصب القيادية ، ألم تعلم أن فساد كل وزارة ودمارها عندما تستلم فيه امرأة منصب قيادي ، ألم يأخذوا العبرة من وزارة الصحة ووزارة التعليم عندما دمرت سياستهن بعد تولي امرأتان تلك المناصب وتم بعدها عزلهن ، وكم تكلفت الدولة عند استدعاء الخبراء من أنحاء المعمورة لكي يعيدوا المياه لمجاريها ، ولا زالت تلك الوزارتان تعاني من الخلل إلى يومنا هذا .
ما هذه السياسة ؟ ، المرأة مقرها المنزل مربية للأجيال وصانعة الأجيال وليست صانعة القرارات وقائدة وزارت ، كم هي المناصب التي استلمتها نساء وصار مصير إداراتهن إلى للأسوأ ، لا تستطيع المرأة أن تقود الرجل ، فالرجل لا يقوده الجنس الآخر إلا بالحب وليس من المعقول أن تحب المديرة كل موظفيها ، وبلا شك ولا ريب سوف يأخذ الكثير منهم هذا إن لم يكن جميعهم ذلك الحب بطريقة أخرى وفكر مغاير ، وحينها سوف يتصارعون من أجل إرضائها وتعم الفوضى ….
نعم … نعم المرأة في منصب قيادي يساوي فوضى .
طرق خفيف على الباب .. أدخلي .. دخلت سكرتيرة الوزير أحمد وهي شاحبة الوجه .. نظر إليها بهدوء : ما بكِ ؟
تلعثمت بالكلام ولم تعطيه جميلة مفيدة .
ما بكِ ؟ قالها بعد أن بدأت تبدو عليه علامات الغضب .
لقد اتصل أخاك وقال بأنه حاول الاتصال بك شخصياً لكنك لم تجب على هاتفك المحمول ولا هاتف المكتب .
بلعت ريقها وأكملت : وقال أن أخبرك بأن أباك أدخل لغرفة العناية المركزة في مستشفى المدينة .
نظر إليها ولم يبوح بأي كلمة وانطلق يلم أغراضه من على مكتبه وانطلق متوجهاً نحو المستشفى .

(8)

وصل لوحدة العناية المركزة وتوجه للغرفة التي أدخل فيها أباه .
دخل ونظر ورأى الوجوه شاحبة والعيون دامعة وهناك بين تلك الأجساد وفي وسطهم بالضبط جثة غطيت بغطاء أبيض اللون من أعلى رأسها إلى أسفل قدميها .
نظر إلى أخوته وابتسم ابتسامة عريضة ، صعق على أثرها أخوته وتجمدت الدمعات في أعينهم وغصت حلوقهم بريقها .
لقد رحل ولكن سوف يبقى بإنجازاته التي سطر بها بماء الذهب أسطورة الكفاح والمثابرة لخدمة وطننا الغالي ، كم من أجيال خرجت من تحت يديه وصارت شخصيات مرموقة ثابتة الخطى عظيمة الأهداف والطموح عندما كان يدرس في الجامعة قبل أن يحال للتقاعد ، لقد ثبت أبي عند مبادئه وقيمه ولم تغريه الأموال ولا المناصب ، وظل يحارب وبشدة كل طرق الانفتاحية على الثقافات الأخرى من غير قيود وهذا ما سبب له الإحالة على التقاعد المبكر .
إنه جبل بشري في زمن تحول فيه كثير من البشر إلى ريش تتلاعب بها رياح التغيير والانفتاحية .
لقد وعيت اليوم كلامه قبل شهور عندما قال سوف تذكر كلامي عندما تراني جثة هامدة لا حياة فيها .
أبي إنك الحياة إنك القيم إنك العادات إنك الثبات في زمن التخاذل .

(9)

استلقت أميرة فوق سريرها تقلب صفحات كتاب الهندسة المعمارية الحديثة وتنظر إلى الصور وتقرأ قراءة سريعة ، فاليوم كان أول أيامها في الجامعة وبالتحديد في كلية الهندسة ، ولقد تعرفت على فتيات كثر ممن يحملون بعض أفكارها وفلسفتها واستمتعت جداً بصحبتهن وأكثر ما جذبها فتاة تدعى عبير بطريقة أسلوبها وتعاملها وطريقة طرحها للمواضيع والذي يتضح فيه أنها ذات خلق ودين وتربية سليمة وشغلت جل تفكيرها عندما عادت للمنزل ، وأيضاً أخذت جل حديثها عندما تحدثت مع أخوتها حنان وندى التي تعمل مدرسة للغة العربية في المدرسة الإعدادية ، وأماني التي تعمل أخصائية اجتماعية في المحكمة الشرعية .
نزلت أميرة من على سريرها وأخذت تزرع غرفتها ماذا سألبس غداً ؟
وما سوف أضع على وجهي ؟ …
الأمور التي تخص النساء لهن الحرية في عملهن والتمتع بذلك دون منغصات والتي تأتي تحت راية العادات والتقاليد والتي طبقت على المرأة دون الرجل والذي صار يلبس ويفعل ما يحلو له حتى أنه دخل في لباسه الشيء الكثير من تصاميم المرأة وحتى في طريقة المعاملة صار كثير من الرجال لين الطباع كالنساء.
أخذ بها فكرها لكل ذلك وخاصة عندما فكرت بلباسها غدا والمعارضة الذي سوف تجدها من أخواتها وخاصة أنها وضعت عينها على لباس لو لبسته لأصبحت فاجرة في نظر من سوف يراها في الخارج وغير ثابتة في نظر أخواتها .
أميرة خيالها واسع وفكرها انقلابي من الدرجة المخيفة فكم حذرتها أختها حنان من مثل هذه الأمور ولكنها لا تستجيب .
لا للرجل أو المرأة أولاً ، هي شعارات تحملها ، وليس لأنها شاذة أو تميل و لو قيد أنملة للشذوذ ليس ذلك ، فأميرة من المحاربين لكل أصناف الشذوذ الجنسي ، ولكنها شاذة بأفكارها في نظر مجتمعها ومتحررة جداً من كل القيود وتريد كل بني جنسها أن يعشن ذلك التحرر وهي ما تسميه الحياة أما الحياة الحالية فهي تسميها الممات .
كل ذلك أجبر أخواتها على عقد جلسات نقاش حامية معها والتي كانت تدريها حنان بحكم تخصصها في علم النفس وكانت أماني المتحدثة الأساسية وأما ندى الطيبة والتي تحمل نفساً طفولية فكان دورها ترطيب الجو بتعديلاتها للمصطلحات وبتفسيرها وإعرابها للجمل وخاصة عندما يشتد النقاش وتثور البراكين وتبدأ أميرة بالصدام وبرفع الصوت وبالخروج عن المجرى الذي كان يسير وقتها النقاش .
ولكن كل تلك الجلسات لم تجعل من أميرة غير جبل راسخ يزيد صموداً وقوة يوماً بعد يوم .

(10)

الرجل والمرأة صراع البقاء أو إن صح صراع التميز والظهور للأفضل ، فالحياة قامت من ذكر وأنثى ولكنهما في عصرنا وفي بعض العصور السابقة رفضا هذا التوازن تحت مسميات كثيرة فكلا الطرفين يرى في نفسه الأفضلية وأنه هو الأولى والأول والوحيد القادر إلى ما إلى ذلك من مصطلحات .
وهما يعلمان وبشدة أنهما يكملان بعضهما وأن النقص المتواجد عند الذكر يجده عند الأنثى والعكس .
أنهت أماني حديثها بهذه الفقرة في المحاضرة التي ألقتها في التجمع النسائي في مسرح المدينة وبلا شك بحضور أخواتها والتي على رأسهم أميرة المشاكسة والتي حضرت للتجمع دون ارتداء العباءة واكتفت بثوب مطرز ولف رأسها بغطاء بالكاد أخفى شعر مقدمة رأسها وأسدلت الباقي خلف ظهرها ، ومن وقت دخولها كانت حديث النساء وكم انزعجت كل من حنان وندى الطيبة من تلك النظرات التي لاحقتهم طوال التجمع بسبب لباس أميرة .
وعندما عادوا للمنزل صرخت حنان بعد أن رمت حقيبة يدها على المنضدة والتفت نحو أميرة والتي كانت حينها ورائها : يكفي يا أميرة إلى هنا يكفي !!
ابتسمت أميرة وقالت يكفي هل هذا الذي استطعتِ قوله أختي حنان بل أمي حنان إن معادلة التوازن اختلت والبقاء للأقوى والأذكى والأحق ، إما ذكر أو أنثى وسوف تسود الأنثى العالم بذكائها وفطنتها ، وثم من يحدد ما ألبس وما لونه دام أنه يستر جسدي فلماذا نحدد اللون والشكل والمضمون ، من هو المتحكم بكل ذلك .
صرخت حنان أخرسي .. وركضت نحو غرفتها تبكي .
نظرت أميرة حولها منزعجة وتساءلت لماذا غضبت ؟ لم أقل غير الحقيقة .
فتحت حنان باب غرفتها لتنظر أين أمل وأين مربيتها ، اتصلت على هاتف المربية ولكن وجددته مغلقاً ، نزلت السلالم بسرعة ، وعادت من حيث توقفت ووجدت أخواتها وكأنها لم تغادرهم الكل في مكانه صرخت أمل بعد أن وضعت كفيها على خديها أمل غير موجودة وكذلك مربيتها وهاتفها مغلق ، ابحثوا في أرجاء المنزل .
إمتلء المنزل الكبير صراخ أين أمل ؟ أين مربيتها ؟انتهى البحث لا وجود لأمل ولا لمربيتها !!

يتبع – أحلام تائهة ( 2 )


الكاتب : خالد علي حنشل


تعليقات 7

  1. فعلاً إنها أشبه بقصة وهي بالأحرى قصة،،، الأخ أحمد أنا بانتظار الجزء الثاني وشكراً كتير كتير…… Aziz قتيل الحب (Roro

  2. السلام عليكم بصراحة ماشدني في كلام وقصصك شيء واتمنى منك انك تركز على الشباب العاطلين ومواضيعهم وبلاش كلام ماله داعي وش استفنا من كلام انت وبعض الكتاب اللي يترززون في الأنترنت نبي شي يخصنا عنا يا لشباب وتعبنا من الكلام اللي لايودي ولا يجيب فايدة ولا نفع وهذي وجهت نظري الشخصية

  3. تسلم..أخي الكريم على ما سطرته أناملك بصراحة شدتني لآخر حرف…وأكيد أنا بانتظار الجزء الثاني دمتم بود،،،

  4. السلام عليكم كتابتك أستاذي شدتني لأن أرد بالثناء على قلمك .. فهو يستحق مني كل كلمة مدح وثناء .. بانتظار الجزء الثاني أما بخصوص تحوير المقال والكتابة نحو هدف واحد وهو الشباب العاطل والمواضيع التي تخص الشباب فقط .. وما عداها أو سواها فهو كلام لا يودي ولا يجيب فايدة ولا نفع أو كلام ماله داعي وش استفدنا من كلام انت وبعض الكتاب اللي يترززون في الانترنت فاسمح لي أخي عاطل أن لا أحترم وجهة نظرك بتاتا .. فيجب عليك أولا احترام إنسانية الكاتب والكتاب بعدم توجيه تهمة بغير سند .. أما بخصوص طلبك الكريم .. فهذه أنانية أن تطلب مواضيع تخص فئتك أنت من المجتمع .. وأن تهمش الفئة الباقية التي يكتب عنها كتاب كثر كعدد الكتاب المهتمين بمواضيع الشباب وذلك بنعتك لهم بحب الظهور والبروز الإعلامي أو أن كلامهم فارغ من النفع الاحترام والنقاش المتعقل شيء جميل جدا .. ولكن أن تنعت الغير بالفراغ الثقافي والفراغ النفعي، فذلك مرفوض ولست وحدي من يرفضه، بل المجتمع كله، لأن الأنانية لا مكان لها بيننا ونرفضها دوما بوركت أستاذي خالد، وهداك الله يا أخ عاطل يوجد أناس لهم مشاكل مختلفة بل وأعظم، كما أن لك مشاكل تراها الأكبر اجمل تحية للجميع دحروج

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أحلام تائهة (1)

تسجيل الدخول

كن جزءا من مجتمعنا!

ليس لديك حساب؟
سجل

اعادة تعيين كلمة السر

الرجوع لـ
تسجيل الدخول

سجل

اشترك معنا

الرجوع لـ
تسجيل الدخول